محمد بن أحمد الفرغاني
36
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
كل واحد منها بحكم الجميع ، واشتمالها الذي هو حكم الذات الأقدس ، وإذا سعيت بين الصّفا والمروة ، فإنما أسعى لأجل ظاهر وجودي الذي هو وجهي من مرتبة روحي ووصف صفائها ووحدتها ، وكونها شرقية إلى مرتبة طبيعتي ، ونعت كونها غربية لا جمع بينهما ، وأجعل كل واحد منهما متّصفا بالجمعية الحقيقية بحيث لا يتقيّد كل واحد منهما بوصف الشرقية والغربية ، فتكون لا شرقية ولا غربية لكمال الجمعيّة . وفي حرم من باطني أمن ظاهري ومن حوله يخشى تخطّف جيرتي تقديره : وأمن ظاهري في ظاهر الحرم حاصل من أمن باطني في باطنه ، ومن حول الحرم الظاهري والباطني أتخوّف جيرتي من أن يتخطّف متاعهم الظاهري من المال ، والمعلوم والباطني من الأحوال والعلوم . يعني : لمّا كانت الكعبة مظهر برزخيّة ذاتي كان حرمها المحيط بها صورة حضرة معلوماتي التي هي محيطة بمركز وحدة علمي ومنتشئة منه ودائرة حوله على أن العلم من وجه محيط بها من جهة أنه ليس شيء منها خارج عنه وعن الانتساب إليه ، فكما أن كل ما في حضرة معلوماتي بموجب ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ ق : الآية 29 ] و لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الرّوم : الآية 30 ] ، أي لتقديره آمن من التغيّر والتبدّل والتحوّل ، وكل متاع معرفة وكشف وشهود منشأ تلك الحضرة ، فهو آمن من أن تعتريه متعرّض من الشكوك والظنون والشبهات والتخيّلات ومحفوظ من الغلط والسهو ونحو ذلك ، وأثر هذا المعنى في الظاهر باد بموجب أصل لا أثر لشيء في شيء إلّا بمعنى باطن فيه ، فكذلك ظاهر الحرم أيضا آمن بما فيه من الجماد والنبات والحيوان والإنسان من القطع والإتلاف والتغيّر والتنفير والقتل بموجب نصّ : « لا يختلى خلاها ولا ينفّر صيدها ، ولا يعضد شوكها ، ولا يقطع شجرها ، ولا يقبل الملتجي إليها ما دام فيها » « 1 » ، فهذا الذي بدا في الظاهر من الأمن هو من الأمن الباطني ، وهذا الذي نشاهده ونسمعه أنه يتخطّف الناس من حولهم بنو شعبة وأمثالهم من المنتهبة الحرامية النازلين حوالي الحرم قريبا منه
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب الإذخر . . . ، حديث رقم ( 1284 ) [ 1 / 452 ] ؛ والنسائي في السنن الكبرى ، النهي عن أن ينفر صيد الحرم ، حديث رقم ( 3875 ) [ 2 / 388 ] ؛ ورواه غيرهما .